أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

233

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

زيدا ، والثاني : أن تكون منصوبة بالقول أي : قولوا هذا اللفظ بعينه ، كما تقدّم في وجه الرفع ، فهي على الأوّل منصوبة بالفعل المقدّر ، وذلك الفعل المقدّر ومنصوبه في محلّ نصب بالقول ، ورجّح الزمخشري هذا الوجه . والحطّة : اسم للهيئة من الحطّ كالجلسة والقعدة ، وقيل : هي لفظة أمروا بها ولا ندري معناها ، وقيل : هي التوبة ، وأنشد : 490 - فاز بالحطّة التي جعل اللّ * ه بها ذنب عبده مغفورا « 1 » قوله : نَغْفِرْ هو مجزوم في جواب الأمر ، وقد تقدّم الخلاف : هل الجازم نفس الجملة أو شرط مقدّر ؟ أي : إن يقولوا نغفر ، وقرئ « 2 » « نغفر » بالنون وهو جار على ما قبله من قوله « وإذ قلنا » و « تغفر » مبنيا للمفعول بالتاء والياء . و « خطاياكم » مفعول لم يسمّ فاعله ، فالتاء لتأنيث الخطايا ، والياء ل . ن تأنيثها غير حقيقي ، وللفضل أيضا ب « لكم » . وقرئ « يغفر » مبنيا للفاعل وهو اللّه تعالى ، وهي في معنى القراءة الأولى ، إلا أنّ فيه التفاتا . و « لكم » متعلق ب « نغفر » وأدغم أبو عمرو الراء في اللام والنحاة ليستضعفونها قالوا : لأن الراء حرف تكرير فهي أقوى من اللام والقاعدة أن الأضعف يدغم في الأقوى من غير عكس ، وليس فيها ضعف ؛ لأن انحراف اللام يقاوم تكرير الراء . وقد طوّل أبو البقاء وغيره في بيان ضعفها وقد تقدّم جوابه . قوله : خَطاياكُمْ : إمّا منصوب بالفعل قبله ، أو مرفوع حسبما تقدّم من القراءات ، وفيها أربعة أقوال : أحدها : - وهو قول الخليل رحمه اللّه - أن أصلها : خطايئ ، بياء بعد الألف ثم همزة ، لأنها جمع خطيئة مثل : صحيفة وصحايف ، فلو تركت على حالها لوجب قلت الياء همزة لأنّ مدّة فعايل يفعل بها كذا ، على ما تقرّر في علم التصريف ، ففرّ من ذلك لئلا يجتمع همزتان بأن قلب فقدّم اللام وأخّر عنها المدّة فصارت : خطائي ، فاستثقلت على حرف ثقيل في نفسه وبعده ياء من جنس الكسرة ، فقلبوا الكسرة فتحة ، فتحرّك حرف العلّة وانفتح ما قبله فقلب ألفا ، فصارت : خطاءا ، بهمزة بين ألفين ، فاستثقل ذلك فإنّ الهمزة تشبه الألف ، فكأنه اجتمع ثلاث ألفات : فقلبوا الهمزة ياء ، لأنها واقعة موقعها قبل القلب ، فصارت خطايا على وزن فعالى ، ففيها أربعة أعمال : قلب ، وإبدال الكسرة فتحة ، وقلب الياء ألفا ، وإبدال الهمزة ياء ، هكذا ذكر التصريفيون ، وهو مذهب الخليل . الثاني - وعزاه أبو البقاء إليه أيضا - أنه خطائئ بهمزتين الأولى منهما مكسورة وهي المنقلةعن الياء الزائدة في خطيئة ، فهو مثل صحيفة وصحائف فاستثقل الجمع بين الهمزتين ، فنقلوا الهمزة الأولى إلى موضع الثانية فصار وزنه : فعالئ ، وإنما فعلوا ذلك لتصير المسكورة طرفا ، فتنقلب ياء فتصير فعالئ ، ثم أبدلوا من كسرة الهمزة الأولى فتحة ، فانقلبت الياء بعدها ألفا كما قالوا : يا لهفى ويا أسفى ، فصارت الهمزة بين ألفين ، فأبدل منها ياء لأن الهمزة قريبة من الألف ، فاستكرهوا اجتماع ثلاثة ألفات . فعلى هذا فيها خمسة تغييرات : تقديم اللام ، وإبدال الكسرة فتحة ، وإبدال الهمزة الأخيرة ياء ، ثم إبدالها ألفا ، ثم إبدال الهمزة التي هي لام ياء . والقول الأول أولى لقلة العمل ، فيكون للخليل في المسألة قولان . الثالث : قول سيبويه ، وهو أنّ أصلها عنده خطايئ كما تقدم ، فأبدل الياء الزائدة همزة ، فاجتمع همزتان ، فأبدل الثانية منهما ياء لزوما ، ثم عمل العمل المتقدّم ، ووزنها عنده فعائل ، مثل صحائف ، وفيها على قوله خمسة

--> ( 1 ) البيت من شواهد البحر ( 1 / 217 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 223 ) .